خطبة في فصل الصيف
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي جعل في كل شيء آية وعبرة ، فبث في الكون علاماته، وخلق العقل ليتفكر فيها ويتدبر، أحمده سبحانه وتعالى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة،وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا) ، أما بعـد ،،
فيا عباد الله: لاشك أن الله تعالى خلق لعباده دارين، يجزيهم فيها بأعمالهم، وجعل إحدى الدارين ممزوجة بالنعيم والألم، فما فيها من نعيم يذكر بنعيم الدار الآخرة ، وما فيها من ألم يذكر بعذاب الآخرة، فكل ما في الدنيا يدل على صانعه ويذكر به، قال خليفة العبدي رحمه الله: لو أن الله لم يعبد إلا عن رؤية ، ما عبده أحد، ولكن المؤمنين تفكروا في مجيء هذا الليل إذا جاء،فطبق كل شيء وملأ كل شيء ، ومحا سلطان النهار، وتفكروا في مجيء الشتاء والصيف، فو الله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خَلَقَ لهم رَبُّهُم، حتى أيقنت قلوبهم، وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤيته، ما رأى العارفون شيئا من الدنيا، إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة ، من كل خير وعافية.
عباد الله: هذا الصيف قد أقبل، وما أدراك ما الصيف! حر وعرق، شدة وكرب، الناس فيه من شدة الحر، يفزعون إلى ظل ظليل، أو دار باردة ، يطلبون بذلك الراحة وتخفيف الحر الذي أرهق الأبدان، وغير ذلك مما يخففون به لوعة الصيف وشدته.
لكن السؤال هل فكر الناس في هذا الحر؟ وهل اعتبروا بفصل الصيف فتذكروا حر جهنم ، ونار الآخرة وحرها الشديد؟ فعلى العاقل أيها الأحباب، أن يتفكر ويعتبر، ويمعن النظر في آيات الله عز وجل، هذه الآيات التي جعل سبحانه وتعالى منها تذكرة لأولي الألباب،قال تعالى: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ).
أيها الناس: والحق أن العاقل لو تمعن في نار الدنيا، وتفكر فيها، لهاله ما فيها من الحر، والمثل شاهد أمام الأعين، فإنك حين ترى الحريق يشب في مكان، فيأكل كل شيء من رَطْبٍ ويابس، وجماد وإنسان فيجعل منه رمادا، وكأن شيئا لم يكن، تدرك أهولها وشدتها، هذا وهي نار الدنيا، فما بالكم بنار الآخرة والعياذ بالله؟ فشدة الحر والبرد يذكر بما في جهنم من الحر والزمهرير، قال الحسن رحمه الله:كل برد أهلك شيئا فهو من نَفَسِ جهنم،وكل حر أهلك شيئا فهو من نَفَسِ جهنم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ:يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ، وفي رواية: (أذن لها بنَفَسَيْنِ)، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ،وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا، وَشِدَّةُ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ مِنْ سَمُومِهَا) ، فهذه النار عندما اشتكت إلى خالقها، والشكوى كانت من أنه قد أكل بعضها بعضا، فكيف بالذي في داخلها؟ وكيف بمن يعذب فيها؟ وكيف بمن حكم الله عليه بالخلود فيها؟ فَشَفَقَةً من الله بهذه النار التي خلقها لإحراق الكفار والمنافقين والعصاة،ومن يستحق دخولها، أذن لها بِنَفَسَين نَفَسٍ في كُلِ موسم، فأشد ما نجد أيها الأحبة من الحر،ما هو إلا نفس من أنفاس جهنم، وأشد ما نجد من البرد أيضا، ما هو إلا نفس من أنفاس جهنم. أيها المسلمون: قد ينزعج بعض الناس من برودة الشتاء، كما يتضايق من حر الصيف، وفي كل منهما وفي تقلب الأحوال عموما مصالح وحكم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله، ثم تأمل بعد ذلك أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها، لإقامة هذه الأزمنة والفصول، وما فيها من المصالح والحكم،إذ لو كان الزمان كله فصلا واحدا، لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه، فلو كان صيفا كله لفاتت منافع ومصالح الشتاء، ولو كان شتاء لفاتت مصالح الصيف، وكذلك لو كان ربيعا كله أو خريفا كله، ومما يؤمر بالصبر فيه على حر الشمس.
أيها الأحبة: النفر للجهاد في الصيف، كما قال تعالى عن المنافقين: (وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)، وكذلك في المشي إلى المساجد للجمع والجماعات، وشهود الجنائز ونحوها من الطاعات، والجلوس في الشمس لانتظار ذلك، حيث لا يوجد ظل، خرج رجل من السلف إلى الجمعة، فوجد الناس قد سبقوه إلى الظل، فقعد في الشمس، فناداه رجل من الظل أن يدخل إليه فأبى أن يتخطى الناس لذلك، ثم تلا:(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور)، وقد كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة، يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار، فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة،
ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قاله ابن مسعود رضي الله عنه وتلا قوله(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا)،
قال ابن رجب، رحمه الله، وينبغي لمن كان في حر الشمس أن يتذكر حرها في الموقف،فإن الشمس تدنو من رؤوس العباد يوم القيامة، ويزاد في حرها، وينبغي لمن لا يصبر على حر الشمس في الدنيا ، أن يجتنب من الأعمال ما يستوجب صاحبه به دخول النار،فإنه لا قوة لأحد عليها ولا صبر.
قال قتادة رحمه الله: وقد ذكر شراب أهل جهنم، وهو ماء يسيل من صديدهم من الجلد واللحم، فقال هل لكم بهذا يدان، أم لكم عليه صبر،طاعة الله أهون عليكم يا قوم فأطيعوا الله ورسوله.
معاشر المؤمنين:رأى عمر بن عبد العزيز قوما في جنازة قد هربوا من الشمس إلى الظل ، وتوقوا الغبار ، فبكى ثم أنشد:
من كان حين تصيب الشمس جبهته أو الغبار يخـاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي يبقـي بشاشتـه فسوف يسكن يوما راغما جدثا
في ظـل مقفـرة غبراء مظلمـة يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا
تجهـزي بجهـاز تبلغيـن بـه يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
ومما يضاعف ثوابه في شدة الحر من الطاعات أيها الأخوة، الصيام، لما فيه من ظمأ الهواجر، ولهذا كان معاذ بن جبل يتأسف عند موته على ما يفوته من ظمأ الهواجر، وكذلك غيره من السلف وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه،أنه كان يصوم في الصيف ويفطر في الشتاء،
ووصى عمر رضي الله عنه عند موته ابنه عبد الله،فقال له:عليك بخصال الإيمان،وسمى أولها الصوم في شدة الحر في الصيف.
قال القاسم بن محمد:كانت عائشة رضي الله عنها تصوم في الحر الشديد،وكان الإمام أحمد يصوم حتى يكاد يغمى عليه،فيمسح على وجهه الماء،وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول:صوموا يوما شديد حره لحر يوم النشور،وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور،
وفي الصحيحين عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:(لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ الشَّدِيدِ الْحَرِّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ).
عباد الله: وقد تحدث أحيانا حوادث غير معتادة تذكر بالنار، كالصواعق ، والريح الحارة المحرقة للزرع ، قال تعالى:(وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ)، وقال تعالى:(فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ)، والإعصار الريح الشديدة العاصف، فكل هذه العقوبات بسبب المعاصي، وهي مقدمات عقوبات جهنم، والعياذ بالله، فإن الله عز وجل يعجل لهم في الدنيا من عقوبات جهنم، ثم ينتقلون بعد هذه الدار إلى أشد من هذه العقوبة وأضيق، وإن من أعظم ما يذكر بنار جهنم أيها الأخوة،النار التي في الدنيا،قال تعالى:( نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ)،يعني أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تذكر بنار جهنم.
مرَّ ابن مسعود بالحدادين، وقد أخرجوا حديدا من النار،فوقف ينظر إليه ويبكي.
وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع إصبعيه فيه ويقول: حس، ثم يعاتب نفسه على ذنوبه.
فيا إخوة الإسلام: انتبهوا من غفلتكم، واستيقظوا من رقادكم، واحذروا مما حذركم الله منه ورسوله، وخافوا مما خوفكم الله ورسوله، واحذروا النار، واسلكوا من الأسباب ما يبعدكم عنها، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سبيلا)،
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اللهم أجرنا من النار،اللهم أجرنا من النار،اللهم أجرنا من النار اللهم اجعلنا من أهل الجنان،وتفضل علينا بما تفضلت به على عبادك الأبرار أجمعين،أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر ا لمسلمين والمسلمات من كل ذنب فاستغفروه إن الله غفور رحيم...
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له،وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين ،،، أما بعــــد.
أيها المسلمون: لقد جاءت السنة بالإبراد بصلاة الظهر في حر الصيف تخفيفا على الناس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاة، وفي رواية، (فَأَبْرِدُوا بِالظُّهْر)، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)، وهذا الحكم خاص بصلاة الظهر، وأما صلاة الجمعة وإن كانت في وقت الظهر، فإنها تصلى في وقتها حتى في الحر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في أول الوقت، شتاء وصيفا، ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه، بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال، وذلك لأن الناس يجتمعون لها، إذ السنة التبكير إليها،ففي تأخيرها إضرار بهم، ثم اعلموا رحمكم الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم،كان حريصا أشد الحرص على أمته، لذا أرشدها إلى ما تفعله لتسلم من النار، ودلَّها على الالتجاء إلى مولاها بالدعاء والتضرع، سائلة إياه الفوز بالجنة والسلامة من النار، عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتْ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتْ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّار)، ولهذا احرص أخي المسلم على هذا الدعاء في كل أوقاتك، بل إنه صلى الله عليه وسلم ليعلم أمته دعاء آخر، تقوله في الصباح والمساء، لتسعد في الآخرة بدخول الجنان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسر إليه فقال:(إِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ مِنْ يَوْمِكَ ذَلِكَ كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ جِوَارًا مِنْ النَّار،ِ وَإِذَا صَلَّيْتَ الْمَغْرِبَ، فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا مِنْ النَّاس،ِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ تِلْك،كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ جِوَارًا مِنْ النَّارِ).
أيها الناس :هذا وإن هناك منجيات كثيرة من النار،وأمورا وأسبابا عديدة،من فعلها وأخذ بها نجي من عذاب جهنم، وستكون لنا معها وقفة بحول الله، في الأسبوع القادم، حتى نتعلمها ونأخذ بها.
اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار،وتفضل علينا بالجنان،

