سلاح المقاطعة
سلاح المقاطعة
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي وعد عباده النصر والتمكين،تولاهم برحمته، فزرع في قلوبهم اليقين ، وثبتهم بالصبر الجميل، أحمده سبحانه وأشكُرُهُ، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، جعل لنا في كل حدث عظة وعبرة، وأشهدُ أنَّ نبينا محمدًا عبده ورسوله، خير نبي أرسلَهُ اللهُ تعالى إلى العالَمِ بشيرًا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم إلى يومِ الدين..
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
أمابعــــد، معاشرالمسلمين:
عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:"مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟" فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ ! إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ، تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ " قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ، تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ! فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ: " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ! فَقَالَ: " أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ!
يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى الأرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ : صَبَوْتَ ؟ قَالَ : لا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا، وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.[ البخاري[
إخوتي الأحبة: هذه القصة حدثت عندما بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سرية في مهمة عسكرية إلى أرض نجد، وفي طريق عودة السرية؛ تم أسر ثمامــة بن أثال سيد بني حنيفة، والصحابــة
لا يعرفونه، فقدموا به المدينة، وربطوه بسارية من سواري المسجد، فلما خرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أَتَدْرُونَ مَنْ أَخَذْتُمْ ؟ هَذَا ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيّ أَحْسِنُوا إسَارَهُ " ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فقال لهم :"اجْمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ فَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِ " ولازال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتودد إليه، ويدعوه إلى الإسلام، حتى أمر أصحابه بفك أسره، ثم ذهب ثمامة إلى نخل قريب من المسجد النبوي، فاغْتَسَلَ غُسْلَ المسلمين، وَقَدِمَ إلى المسجد وقد بدت على وجهه علامة الإيمان، وتهللت أساريره بشاشة، وإذا به ينطق بكلمات التوحيد، حتى انتشر خبر إسلامه، فلما قدم مكة، عيره قرشي قائلاً : أصبوت ؟! أي أكفرت بدين الآباء ؟! فقال قولة من ذاق حلاوة الإيمان : "لا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" هكذا أعلن هويته بين قريش، فهو السيد القوي،صاحب العزيمة، يعتز بدينه، ويفتخر بعقيدته، ثم يعلن موقف اليمامة المسلمة من قريش الجائرة،فيقول:" وَلا، وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إعلان جريء، ما هو هذا الإعلان يا ثمامة؟ إنَّها المقاطعة لِمَنْ حادَّ اللهَ ورسولَه، المقاطعة لِمَنْ حاربوا الإسلام، وعذَّبوا المسلمينَ وفتنوهم في دينهم، لماذا يعلن ثمامة هذه المقاطعة الاقتصادية؟ إنه يريد أن يلقنهم الدرس، وَيُشَلَّ اقتصادَهُم، فهل أثرت هذه المقاطعة فيهم؟ نعم فقد أرسل وجهاء قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة ليخلي لهم حمل الطعام.
معاشر المؤمنين: لقد فقه ثمامة رضي الله عنه أن الحرب ليست فقط بخوض غمار المعركة في الميدان، أو بِحَمْلِ السلاحِ لِمواجَهَةِ العدو، وإنما قد تكون بأساليب أخرى تضعف العدو، وتقوده إلى الخضوع والاستسلام، كما أدرك رضي الله عنه،أن الجهاد أنواع،جهاد بالنفس والمال، وجهاد باللسان،يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ والجهاد بالمال له وجهان :
الوجه الأول: بدفع المال، لتجهيز الجيش الإسلامي المحارب في الميدان أو المرابط في الثغور.
الوجه الثاني: بمنع المال، أي بعدم شراء بضائع الأعداء، وقطع أي تعامل تجاري مع العدو .
هذا، وقد قال الله تعالى : "وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ" فهذا نص صريح يأمر الله عز وجل فيه بالتضييق على المعتدين، وَحَصْرِهِمْ، وَبَذْلِ شَتَّى السُّبُلِ الشرعِيَّةِ لِدَفْعِ عِدْوانِهِمْ، قال القرطبي: "(واحصروهم)" أي امنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام، حتى تضيقوا عليهم".
إخوتي الأحبة: إن في قصة ثمامة، دليل على مشروعية استخدام هذا الأسلوب، وهو المقاطعة الاقتصادية لبضائع الأعداء ولقد استخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الحصار العسكري، والحصار الاقتصادي أو المقاطعة مع أعداء الإسلام، وأهم هذه المواقف :
الموقف الأول: حصاره ليهود بني قينقاع في معركته معهم، في السنة الثانية من الهجرة، جراء ما صدر منهم من جريمة نكراء، تواطئوا فيها على كشف عورة مسلمة في مكان عام، فدافع عن عرضها، وحاول رد العدوان.
الموقف الثاني : حصاره صلى الله عليه وسلم، ليهود بني قريظة، لعنهم الله، في معركته معهم، بعدما خانوا أهل المدينة، وتحالفوا مع المحتل أثناء معركة الأحزاب.
وبناءً على ما سبق نقول: إن سلاح المقاطعة الاقتصادية، من الأسلحة الفعالة،المستخدمة مُنْذُ عَصْرِ حِصارِ الشِعْبِ إلى العصر الحديث، حيث تتعاظم قيمة الاقتصاد،ولذلك استماتت الولايات المتحدة، في تدمير المقاطعة العربية والإسلامية للشركات والبضائع اليهودية، وللشركات المتعاملة مع اليهود، وبالفعل، فقد تهتكت المقاطعة، وصارت أثرا بعد عين، ويبدو أنه من المستبعد حدوث مقاطعة رسمية في ظل العولمة الاقتصادية، التي تسعى إلى محو الحدود التجارية بين الدول، بما لا يسمح لأي دولة أن تتصرف وفق مصالحها الوطنية والقومية،لكن الشيء الذي يمكن أن يحدث أحبتي في الله،هو المقاطعة الشعبية، حين يرتفع الوعي لدى الشعوب المسلمة، بِحَيْثُ يَخْتارُ المشتري،البضائع والسلع والشركات العربية والإسلامية، أو حتى أيّ بضاعة أخرى ليست أمريكية ولا إسرائيلية، أوأجنبية مسيئة إلى الإسلام وأهله، فإن قلت لي: إن من السذاجة أن نتصور أن المقاطعة ستؤدي إلى انهيار الاقتصاد الأمريكي أو اليهودي، أقول لك:
وإن لم ينهار اقتصادهم، فيمكننا أنْ نَجْزِمَ بأنَّ أرباحَ الكثيرَ مِنَ الشركات والمؤسسات ستتراجَعُ قليلا أو كثيرا، وهذا سيضطرهم إلى إعادة النظر في مواقفهم، والبحث عن الأسباب ومعالجتها وفق مصالحهم المادية، لا سيما إذا علمنا أن أصحاب روؤس الأموال في هذه الدول، لهم نفوذ سياسي قوي، وانظروا إلى الإحصائيات، ومع أنها قديمة إلا أنها تؤخذ بعين الاعتبار،"ألحقت المقاطعة العربية بإسرائيل،خسائر تقدر بثمانية وأربعين مليار دولار منذ قامت المقاطعة، فنشرت جريدة الحياة في العام ألف وأربعمائةوواحدوعشرين للهجرة، في صفحتهاالاقتصادية أن خسائر شركات التكنولوجيا اليهودية في الولايات المتحدة،بلغت منذ بداية الانتفاضة المباركة، عشرين مليار دولار.
أخي الحبيب: وقد تعجب أكثر، إذا قلت لك: ما بين عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين، وعام ألف وتسعمائة وستة وتسعين للميلادي، استخدمت الإدارة الأمريكية سلاح المقاطعة الاقتصادية، ستين مرة ضد خمسة وثلاثين بلداً ،
فلماذا يتردد المسلمون في استخدام سلاح المقاطعة لتثمر بعض النتائج؟ أو ليشعر المسلم على الأقل بأن ثمت دورا ولو محدودا يستطيع أن يقوم به؟ إنه جزء من الإنكار القلبي أو العملي السهل، الذي لا يخسر فيه المرء أكثر من أن يختار بضاعة عربية، أو إسلامية أو يابانية، وربما تكون بالميزات نفسها، وبالسعر نفسه، ولا يزال الراصدون يذكرون الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أصابت الأسواق الغربية إبان الثلاثينات الميلادية،والتي عرفت باسم (الكساد الكبير)،وظلت تمثل إلى اليوم كابوساً مخيفاً لأرباب رؤوس الأموال، لا يطيقون له ذكراً، ففي صيف عام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين للميلادي، وبعد حملة دامت أربعة أشهر، قدمت شركة نايكي اعتذارا للمسلمين في العالم، وأوقفت مبيعات أحذية ظهر فيها ما يبدو أنه لفظ على الجلالة، وتم سحبها من الأسواق،كما أن الشركة وافقت على إعداد، وتمويل دورات تدريبية لموظفيها حول آداب التعامل مع المسلمين، وفي أغسطس ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين للميلادي، وبعد ضغط من عدة منظمات إسلامية ودول عربية، أعلنت شركة) برجركنج (إلغاءها لمشروع المطعم الذي قررت تدشينه في الضفة الغربية، وقد قاد الحملة ضد الشركة منظمة( A M J ) ، المسلمون الأمريكان للقدس بالتعاون مع منظمة "كير “، وطلبوا من الشركة إلغاء المطعم ؛ لأنه في أراض محتلة، فخضعت الشركة للضغوط الإسلامية لكنها لم توف بوعدها ، فجُددت المقاطعة لها مرة أخرى وما زالت.
إخوتي الأحبة:حين تنادي الغيورون بضرورة صنع شيء ما، يقاومون من خلاله البطش الصليبي الغاشم؛ لم يجدوا أفضل وأنكأ من مقاطعة بضاعة العدو بيعًا وشراءًا، لمعرفتهم ما يمثله هذا الإجراء المؤثر من إصابة في الصميم لمعبودهم المقدس الدولار،والذي يشكل في حس المواطن الصليبي هناك،كل حياته وسعادته التي يضحي في سبيل الفوز بها، وفي سبيل تفعيل هذه المقاطعة لا بد من الوعي الشعبي الشامل ، بكثرة الطرح لهذا الموضوع الهام ، من خلال الجلسات العائلية، والجلسات الشبابية، والمجالس العلمية، بحيث لا تكون هذه أفكار فئة معينة، وجمهور الناس بمعزل عنها، مع الحرص التام على ألا يكون وجود بعض الأصوات المخالفة، أو المخذلة سبباً في شيوع اليأس من النجاح، أو إعاقة المسيرة، فلقد ساد لدى البعض هاجس من الشك حول جدوى هذا الأسلوب، ومدى فاعليته وتأثيره؛ كما تردد آخرون في مبدأ الإقدام خوفاً من فضيحة الانسحاب في منتصف الطريق، أما أكثر الأطراف سلبية،فهم أولئك العاجزون عن مقاومة إغراء الجودة، وعقدة التفوق للمنتج الأمريكي،فضلاً عن كون المقاطعة، ستحرمهم من منتجات اعتادوها وألفوها منذ نعومة أظفارهم،ولم يخطر ببال أحدهم أنه سيطالب يومًا ما بمقاطعتها إلى غير رجعة،والحق أخي الحبيب، أنّ الثمار اليانعة، قد لا يتأتى قطفها إلا بعد سنوات من القطيعة الجادة، وربما يتطلب الأمر تعاقب أكثر من جيل، لكنها حتمية الوقوع بإذن الله تعالى، وماذا يضيرنا أن يتحقق المقصود على أيدينا، أو على أيدي الجيل الذي يلينا، وأجرنا وأجرهم على الله.
معاشر المؤمنين والمؤمنات: إن المقاطعة لزعزعة كيان العدو الاقتصادي،أقل مانقدمه لنصرة الإسلام والمسلمين وهو نوع من الجهاد كما ذكرنا، فلماذا نتقاعس عن جهادهم بأموالنا فندعم المجاهدين الكافرين، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ومن عجز عن الجهاد ببدنه، وَقَدَرَ عليهِ بِمالِهِ، وَجَبَ عليهِ الجهادُ بماله".
أخي الحبيب: أَعْلَمُ أَنَّكَ تَحْتَرِقُ لِما تُصابُ بِهِ الأمة، لكن اِعْلَمْ أَنَّهُ لَنْ يَرْفَعَ الذُّلَّ عَنِ الأُمَّةِ بَعْدَ اللهِ إلاَّ الجهاد، والجهادُ لا يَقومُ إلاَّ بالإعداد، فَيَجِبُ علينا أَنْ نَهْجُرَ حياةَ الدَّعَةِ والترف، وَنَتوبَ مِنْ حياةِ اللهوِ والعبث، وَنَعْلَمَ أَنَّ زَمَنَ ذلك قد وَلَّى ، وأنَّ الاستقامَةَ على دين اللهِ هي الطريق لِصَدِّ العدوان، واستردادِ الأوطان، فَيَجِبُ علينا أَنْ نَبْنِيَ أَنْفُسَنا أولاً لِنُنْقِذَ الأمة.
أخي الحبيب: هل نقعد مكتوفي الأيدي لا نتقدم ولا نقدم شيئا ؟! فكيف لو قلت لك أن الأجانب يقاطعون اليهود عليهم لعنة الله، ذكرت إحدى الصحف الإسرائيلية في موقعها على الإنترنت، أن شخصان من سكان تل أبيب، رغبا في القيام برحلة استجمام إلى فرنسا، فبحثا عن فنادق صغيرة، فوجدا فندقًا ملائمًا، لكنهما فوجئا بموقف إدارة الفندق التي قالت لهما بأن الفندق يفرض مقاطعة على إسرائيل، ولذلك لن يكون بإمكانهما النزول فيه، كما قالت صاحبة الفندق الفرنسي هذه هي الطريقة الوحيدة التي وجدناها للتعبير عن معارضتنا للسياسة الإسرائيلية، نحن لا نتفق معهم،ماذا نقول للسيدة الفرنسية ؟ وكيف نعبر لها عن امتناننا لموقفها النبيل، هي ومن معها، من الذين استجابوا لنداء الضمير، والعقل والعدالة من خلال مقاطعتهم للبضائع الإسرائيلية، ورفضهم استقبال السياح الإسرائيليين؟،
نقول لهم شكراً لكم كلكم يا من أعلنتم رفضكم للعنصرية، ولسياسة الدم والإرهاب الإسرائيلية،
نقول لكم إنكم تفعلون ما تمليه عليكم ضمائركم وأحاسيسكم، وتقومون بالواجب الذي يفرضه علينا ديننا بدلا عنا!!.
نفعني الله وإياكم بما نقول ونسمع وجعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات، فاستغفروه إنه غفور برٌّ رحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله القائل في كتابه الكريم:(وليمحص الله الذين ءآمنوا ويمحق الكافرين)، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبينا محمدًا، خَتَمَ اللهُ بِهِ الأنبياءَ والمرسلين، وَجَعَلَهُ سَيِّدَ الأولينَ والآخِرين،.. أما بعــــد، أيها الإخوة المسلمون:
المقاطعة هي اختبارٌحقيقي،وَمَحَكٌّ قويٌ لإرادَةِ الشعوبِ والأفراد، يَتَبَيَّنُ مِنْ خِلالِها مَدَى مِصْداقِيَّتِهِمْ وَغَيْرَتِهِمْ على دينهم، وَنُصْرَتِهِمْ لقضايا أُمَّتِهِمْ، فالشعوبُ والأفرادُ الذين كانوا إلى عَهْدِ قريب، يُلقونَ بِمسؤوليَّةِ انتكاسَةِ الأُمَّةِ وَخُمولِها على غَيْرِهِم، وَيُحمِّلونَهُمْ كُلَّ جَريرَةٍ وخطأ،قد آن أوانهم الآن للقيام بدورٍ عَمَليٍ مَيسور، مِنْ خِلالِ المقاطَعَةِ للكَشْفِ عَنْ أَصَالَةِ مَعْدَنِهِمْ،وَنُضوجِ فِكْرِهِمْ، وَجاهِزِيَّتِهِمْ للبذلِ والتضحية، فهل يفعلون ؟؟
وأخيراً أوصيك أخي الحبيب، أن تعمل على إحياء المقاطعة كلما ماتت، وإيقاظها كلما نامت، أحيها في الناس حولك، أيقظها في نفوس التجار والمستهلكين، فإن ذلك من نصرة الدين،وتذكر قول ربنا تبارك وتعالى (قاتلوهم، يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين).
اللهم تولنا وعبادك المسلمين في غزة، وسائر بلاد الإسلام بعين عنايتك، وبأَتَمِّ رعايَتِك، وابدل عسر هذه الأمة يسراً ، عاجلاً غير آجل، وفَرِّجْ الكرْبَ عن المكروبين، ونَفِّس الهمَّ عن المهمومين، وأحْسِن خلاصَ إخواننا المعذبين،وردنا والمسلمين جميعاً إلى دينك رداً جميلاً ، يا رب العالمين، ياذا الجلال والإكرام....

