خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1430هـ
الخطبة الأولى: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبر كبيرا، والحمدلله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، الحمد للهِ الذي بنعمتِهِ تتمُ الصالحات ، وَبِفَضْلِهِ تَحْصُلُ الدرجات ، وبكرَمِهِ تُبَدَّلُ الخطيئات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمدًا عبدُ اللهِ وَرَسولُه ، نَبِيُّهُ المصطفى، وَرَسولُهُ المجتبى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا...)، أما بعــــــــــد، فيا أيها الإخوةُ والأخوات: بالأمسِ استقبَلْنا رَمضانَ بشوق، واليومَ نَفْرَحُ بعيدِ الفطرِ المبارك، فالحمد للهِ الذي أتمَّ علينا نِعْمَةَ الصيامِ والقيام. هذا اليومُ الذي نحنُ فيهِ يومٌ عظيم، تُشْرِقُ فيهِ شمسُ العيدِ في كل مكان،حاملاً إليهم أسبابَ البهجةِ والسرور، ومعالِمَ الغبطةِ والحبور، فتأنَسُ القلوب، وَتَبْتَهِجُ النفوس، وَتَنْطَلِقُ الأَلْسُنُ بالتهليلِ والتكبير، اليومُ يومٌ جميل، فالنَّاسُ تَجَمَّلوا فيهِ بأَحْسَنِ الثياب، وَظَهروا فيهِ بأبْهى الصور، ولكن إخوتي الأحبة: في هذا الصباحِ الجميل، وَمَعَ هذا النسيمِ العليل، ينبغي أنْ نَهْمِسَ لأَنْفُسِنا هَمْسَةَ صدق: هل جَمَّلْنا أرواحَنا مَعَ جَمالِ ملابسنا؟ فالعيدُ لا تَكْتَمِلُ فَرْحَتُه، ولا يَكْتَسِي بَهْجَتُهُ، عندما نُجَمِّلُ الألباس، وَنُزَيِّفُ الأرواح، فيا أحبتي: هيا نُجَمِّلُ أرواحَنا بِكُلِّ بِرٍّ و خير... هيا بنا نُفْشي السلام، نَمْسَحُ ما عَلِقَ في القلوبِ مِنْ حَسَدٍ أو غل... هيا بنا نَرْسِمُ البسمَةَ على وَجْهِ الكبيرِ والصغير، المريضِ واليتيم، الفقيرِ والمسكين... هيا بنا لِنَصِلَ مَنْ قَطَعَنا، وَنَعْفوَ عَنْ مَّنْ ظَلَمَنا، وَنُسَلِّمَ على مَنْ هَجَرَنا... هيا بنا نُجَمِّلُ الأرواحَ مَعَ جمَالِ الثياب. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبرُ ما أَذَّنَ مؤَذِّنٌ فَهَلَّلَ وَكَبَّر، الله أكبر ماتصافت القلوبُ والأرواح. أيها الإخوةُ والأخوات: إنَّ راحَةَ القلوبِ تَتَطَلَّبُ مِنَّا أَنْ نَبْتَعِدَ عَنِ الظَنِّ السيئِ بالآخرين، وَسَلامَةَ الصدورِ وراحَةِ البال، تَتَطَلَّبُ مِنَّا المُبادَرَةَ لتنْقِيَةِ القلوبِ مِنَ الشحناء، التي تَتَصَدَّعُ مِنْها الأُسَرُ والمجتمعات، فليسَ العيدُ إلاَّ ودٌّ وإخاء، اجتماعٌ وتراحم،ابتسامَةُ أَمَلٍ وتفاؤل،ليسَ العيدُ إلاَّ إشعارٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِجمالِ الكَلِمَةِ الطيبَةِ في نفوسِ الجميع ليسَ العيدُ إلاَّ تَعليمُ الأُمَّةِ كيفَ تَتَّسِعُ روحُ الْجِوارِ وَتَمْتَدّ، حتى يُصْبِحَ الْبَلَدُ الكبيرُ دارًا واحدة، يَتَحَقَّقُ فيها روحُ الإخاءِ بمعناهُ العملي. فيا أحبابَ رسولِ الله: إنني أدعوكم إلى سِرٍّ مِنْ أَسْرارِ السعادَةِ في الحياة ، فإنَّ دواعِيَ الحياةِ المُخْتَلِفَةِ، تَجْعلُ الإنسانَ دائمًا في عِراكٍ مُسْتَمر، وقد يُحَطِّمُ الإنسانُ نَفْسَهُ بِسَبَبِ ضغوطاتِ الحياة، قَدْ تَقَعُ النَّفْسُ فيما تَقَعُ فيهِ مِنْ أَلَمٍ واكتئابٍ وقلق، إلاَّ أَنَّ هذا السِّرُّ يُطْفِئُ مَرارَةَ الضيق، وَيُنيرُ ظُلْمَةَ الطريق، إنَّهُ التفاؤل، التفاؤلُ الذي يولِّدُ الأَمَل، وَيَدْفَعُ بالإنسانِ نَحوَ الْعَطاءِ وَالْتَقَدُّمِ والعمل وكما قال رَبُّنا تبارَكَ وتعالى: (إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا، يُؤْتِكُمْ خَيْرًا)، ورسولُنا صلى الله عليه وسلم كان يُحِبُّ الفألَ الْحَسَن، وَيَكْرَهُ التشاؤم. تفاءَلْ أخي،لكي تَشْعُرَ بالرِّضا والثِّقَةِ بالنفس... تفاءَلْ لكي تُسَيْطِرَ على مَشاعِرِكَ وَأَفْكارِكَ السلبية! وما أَرْوَعَهَا مِنْ كَلِمَة، وما أَعْظَمَها مِنْ عِبارَة، (تفاءَلوا بالخيرِ تَجِدوه) ، فالْمُتفائِلُ بالخيرِ سَيَحْصُدُ الخيرَ في نهايَةِ الطريق؛ وأعلى التفاؤل، تَوَقُّعُ الشِفاءِ عِنْدَ المرض، والنَّجاحِ عِنْدَ الفشل، والنَّصْرِ عَنْدَ الهزيمة، وَتَوَقُّعُ تَفْريجِ الكروبِ والمصائِبِ عَنْدَ وقوعِها، فالتفاؤلُ في هَذِهِ المواقِفِ يولِّدُ مَشاعِرَ الرِّضَا والثقة، وَيُبْعِدُ أفكارَ اليأسِ والانهزامية، وَلَقَدْ أَرْشَدَنا صَلى الله عليه وسلم وَعَلَّمَنا، كَيفَ يَكونُ التفاؤلُ في أَقْسَى الظروفِ والأحوال، فها هو صلى الله عليه وسلم، وهو يُحَدِّثُ عائِشَةَ رضي الله عنها، وَيُجيبُها عن سؤالِها، هل مَرَّ عليكَ يومٌ أَشَدُّ مِنْ يومِ أُحُد، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلام لَقَدْ لَقيتُ مِنْ قومِك،وكانَ أَشَدُّ ما لَقيتُ مِنْهُمْ يومَ العقبة، إذْ عَرَضْتُ نَفْسي على ابنِ عَبْدِ ياليل، فَلَمْ يُجِبْني إلى ما أَرَدْت، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمومٌ على وجهي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلاَّ بِقَرْنِ الثعالب، فَرَفَعْتُ رأسي، فإذا أنا بِسحابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْني، فَنَظَرْتُ فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال : إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلْ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قومِكَ لك، وَقَدْ بَعَثَ إليكَ مَلَكَ الْجِبال، لتأْمُرَهُ بمِا شِئْتَ فيهم، إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبين؟ فقالَ لَهُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم، بَلْ أَرْجو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أصلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِك بِهِ شيئًا. أيُّ تفاؤلٍ أَعْظَمُ مِنْ هذا التفاؤل ؟! يَخْرُجُ هائمًا على وَجْهِهِ مِنْ شِدَّةِ ما يُلاقي مِنْ قَوْمِه، وَمَعَ ذَلِكَ يَقولُ لِمَلَكِ الجبالِ تِلْكَ المقالَة، إنَّها تَدُلُّ على قوةِ إيمان، وَثِقَةٍ بالنصر، وبُعْدٍ عن اليأس، وَأَمَلٍ مُشْرِق، وتفاؤلٍ لا يَحُدُّهُ حَدّ. إخوتي الأحبة: إنَّ التفاؤلَ يَجْعَلُ صاحِبَهُ يرى الْفُرَصَ المتاحة بَدَلا مِنَ الْفُرَصِ الضائِعَة، وَيَنْظُرُ إلى ما يَمْلِكَهُ بَدَلَ أَنْ يَنْظُرَ إلى ما خَسِرَه،وَخَيْرُ نَموذَجٍ تمَثَّلَتْ فيهِ هذهِ الصفاتِ الرائعة هو عروةُ بنُ الزبيرِ رضي الله عنهُ وأرضاه،حينَ أُصيبَ بِداءِ الآكِلَةِ في قَدَمِه، فَتَوَرَّمَتْ ساقُه، وَأَخَذَ الْوَرَمُ يَمْتَدُّ بِسُرْعَةٍ فائِقَة،حتى قُطِعَتْ ساقُه،وَلَمَّا حُمِلَ إلى المدينَةِ وَأُدْخِلَ على أهله،قال:لاتَحْزَنوا لِمَا تَرون،فَقَدْ وَهَبَني اللهُ أَرْبَعَةً مِنَ البنين ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُمْ واحِدًا وَأَبْقَى ثلاثَةً فَلَهُ الحمد، وأعطاني أربعةً من الأطراف، ثُمَّ أَخَذَ منها واحِداً وَأَبْقَى ثلاثَةً فَلَهُ الحمد،لَئِنْ أَخَذَ اللهُ مني قَليلاً فَلَقَدْ أَبْقَى لي كثيرا، وَلَئِنْ ابتلاني مَرَّةً فَلَطالَما عافاني مَرَّات. أحبتي في الله: لِنَسْتَقِ الْعِظَةَ مِنْ مَوْقِفِ عُروة،فهو يُعَلِّمُنا كيفَ نُفَكِّرُ بِطريقَةٍ إيجابية، إنَّهُ لَمْ يُفَكِّرْ فيما فَقَدْ، وإنَّما فَكَّرَ فيما بَقِيَ مِنَ نِعَم،وَلَمْ يُفَكِّرْ فيما سُلِبَ مِنْه،وإنَّما فَكَّرَ فيما وُهِب،وهذا هو عَينُ التفاؤل،فالتفاؤلُ هو الذي يَجْعَلُ صاحِبَهُ دائِمًا يَتَوَقَّعُ الخير، يَبْتَسِمُ للحياة، يُحْسِنُ الظَنَّ بالله، واللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِيَدِهِ مَقاديرُ الأمور،لِذلِكَ كانَ الْمُتفائِلُ أكثرَ سَعادَة، وَأَوْفَرَ صِحَّة، وَأَقْدَرَ على حَلِّ المشاكِلِ التي يواجِهُها بقوة. تفاءَلْ أخي بعطايا الرحمن، تجَدْها تجِاهَك... تفاءَلْ برزْقٍ حَسَن تُفْتَحْ لكَ أبوابُه... تفاءَلْ بِغَدٍ مُشْرِق، يُطِلُّ على الأُمَّةِ نَصْرٌ وتمكين... تفاءَلْ بِما عِنْدَ مولاك، فإنَّ خزائِنَهُ مَلأى لا تَنْفَد. رزقني الله وإياكم تفاؤلاً إيجابياً يُثْمِرُ عَمَلاً،وَيَرْفَعُ ضَعْفَ النَّفْسِ وَعَجْزَها، قلت ما سمعتم واستغفروا الله.... الخطبة الثانية: الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله كثيرًا، والله أكبر كبيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، الله أكبرُ ما ذَكَرَهُ الذاكرونَ الأبرار، الله أكبر ما تَعاقَبَ الليلُ والنهار، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرًا، له الحمد سبحانه وتعالى، كما يُحِبُّ وَيَرْضى، حَمْدًا نلقى به أجرا، ويمحو بِهِ اللهُ عَنَّا وزرًا،وَيَجْعَلُهُ لنا عِنْدَهُ ذخرًا،والصلاةُوالسلامُ التامَّانِ الأكملانِ على المبعوث رَحْمَةً للعالمين،سَيِّدِ الأولين والآخرين، إمامِ المتقين، وَقائِدِ الْغُرِّ المحجلين إلى جَنَّاتٍ نعيم،نَبِيِّنامحمد،الصادِقِ الْوَعْدِالأمين،وعلى آله وصحابَتِهِ أجمعين،وعلى مَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعــــــــد، أيها الإخوةُ المؤمنون: يا أهل البهجة والسرور: زارَكُمُ العيدُ فَتَبَسَّموا، فأنتم تَسْتَقْبِلونَ هَديَّةَ الرحمن، واطْرُقوا أبوابَ أرحامِكُمْ بالودِّ والْحُبْ، ازْرَعوا الْبَسْمَةَ داخِلَ كُلِّ بيتٍ تَدْخلونَه، اصنَعُوا جَمالَ العيدِ في أُسَرِكُمْ وَمُجْتَمعاتِكُم، وَلْنُحْسِنْ للنَّاسِ بأخلاقِنا وَتَعامُلِنا، فالإحسانُ إلى النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ أسبابِ السعادَةِ وأسرارِها ولهذا أَمَرَ اللهُ سُبْحانَهُ وتعالى به فقال: (وَأَحْسِنْ كما أَحْسَنَ اللهُ إليك)، وَأَمَرَ بِهِ النبيُ صلى الله عليه وسلم حتى قالَ عليهِ الصلاة والسلام:(إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا)،رزقني الله وإياكم حُسْنَ الخُلُق، ورضا النفس، وَحُسْنَ الظَنّ،اللهم رَبَّنا نسألك أنْ تَرُدَّنا إلى دينِكَ رَدًّاجميلا،وأن توفِقَنَا لِطاعَتِكَ وَمَرْضاتِك وَأَنْ تُحَبِّبَ إليناالطاعات،.... جعلني الله وإياكم من المقبولين ( وكل عام وأنتم بخير).
|